Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

التفكير الخرافي.. أغلال تحول دون التقدم والإبداع

محمود طافش

مشرف تربوي بمجموعة المدارس الوطنية

 

       يعد التفكير من أبرز ما يميّز الإنسان عن غيره من مخلوقات الله، وبه يستطيع تحقيق أهدافه والفوز بما تصبو إليه نفسه من نجاحات، وكذلك التصدي لما يصادفه من صعاب ويتغلب عليها، فهو " عملية عقلية معرفية وجدانية عليا، تُبنى وتؤسس على محصلة العمليات النفسية الأخرى كالإدراك والإحساس والتخيّل، وكذلك العمليات العقلية كالتذكر، والتجريد والتعميم والتمييز والمقارنة والاستدلال".

       ويعدّ التفكير العلمي بأنماطه المتكاملة أداة الإنسان للتقدم نحو حياة أفضل في مجتمعات مبدعة، لذلك احتدم التنافس بين الأمم النابهة لتطوير العلوم ولإنتاج التقنيات التي هي أدوات السعادة والسيادة، فحققوا نجاحات باهرة في مختلف ميادين الحياة الإنسانية، غير أن الناس الحالمين ما زالوا مقيدين بأغلال التفكير الخرافي التي تحول بينهم وبين التقدم نحو أهداف ذات قيمة .

التفكير الخرافي:

       تفكير سطحي لا يستند على حقائق علمية، ويناقض الواقع الموضوعي، ويصدر عن ذهن مغلق أصابه خلل نتيجة الجهل المطبق أو الكبر أو التعرض لحادثة. ويعرف بأنه: " سلوك معتل يتسم بالغباء ولا يؤدي إلى تعديل في سلوك الإنسان نحو الأفضل، بل نحو الأسوأ، وهو عملية غير مخططة علمياً تفتقر إلى ربط العلل بالمعلولات وهو يضفي على الأشياء معاني وهمية خيالية لا طائل من ورائها، وموضوعاتها كلها ميتافيزيقية تدور حول التطير والتشاؤم والتفاؤل وقراء الكف والفنجان وقراء الطالع لتحقيق أهداف واهمة ".

     ويرجع أصل الاشتقاق اللغوي للتفكير الخرافي إلى رجل عربي من بني عذرة اسمه " خرافة " كان يزعم أن له علاقة بالجن فيحدث قومه بما كان يرى ويسمع، لكنهم كذبوه واعتبروا حديثه ضرباً من الهذيان، واعتبروا كل حديث مشابه بأنه حديث خرافة.

       وتعرّف الخرافة علمياً بأنها: " فكرة تتناقض مع الواقع الموضوعي لأنها ترد العلل إلى غير معلولاتها العلمية الموضوعية". ويستشف من هذا التعريف بأن الخرافة تتعارض مع التفكير العلمي الذي يرفضها لأنها لا تستند على معطيات حقيقية موضوعية راسخة.

مميزات التفكير الخرافي:

       ويتسم التفكير الخرافي بمجموعة من السمات المميزة له أهمها:

1- أنه يستند على الفردية الذاتية في منأى عن الموضوعية.

2- أنه لا يستند على تعليل علمي ولا يربط السبب بالمسبب.

3- يتجرد من أدوات البحث العلمي التي تساعد على اكتشاف الحقيقة لذلك فهو غير قادر على مواجهة مشكلات الحياة.

4- يتسم بالجمود ويفتقر إلى تتابع الأحداث في الزمان والمكان.

5- يعتمد على التمويه والتضليل ويترتب عليه انحطاط ثقافي وعجز عن النمو والتطور.

6- النتائج التي يتوصل إليها فاسدة ومضللة لأنها غير قابلة للتجريب والاختيار، ولهذا فإنه يضلل الإنسان ويقوده إلى الانحراف وإلى مواقع التخلف.

أنماط الخرافات:

       يتفشى في المجتمعات البدائية أنماط من الخرافات التي تحول بينهم وبين التقدم لأنهم يولونها أهمية كبرى، ويتخذون منها أداة لتفسير حاضرهم الذي يتصف بالبؤس، واستشراق مستقبلهم الذي لا شك بأنه سيكون مظلماً، ويترتب عليها القيام بطقوس يجدون فيها متعة ، فهي توهمهم بالسعادة، وتبقيهم في مستنقع التخلف.

والأفراد الذين يعتمدون التفكير الخرافي في التعامل مع قضاياهم يتميزون عن غيرهم بمجموعة من السمات من أبرزها:

- الميل لتصديق المشعوذين والدجالين الذين يبيعونهم أوهاماً ويمنونهم بالغنى السريع بأساليب ماكرة مثل البحث عن كنوز دفينة يرصدها الجان.

- الجهل أو الطمع أو سوء التربية حيث يقتدون بمن يمارس هذا التفكير في البيئة كالوالدين أو الأخوة أو الرفاق.

- صدمهم الواقع فلم يتمكنوا من التعايش معه فجنحوا للخرافات التي قد تقودهم إلى حالة من الإرهاق النفسي.

- وهم صيد سهل للمحتالين حيث ينمو الوهم لدى البعض منهم لدرجة يعتقدون معها أنه حقيقة.

خرافات غربية وأخرى عريبة:

   أشار مالينوفسكي Malinowski إلى " الأهمية الكبرى التي يعطيها البدائي للخرافات الأسطورية إلى درجة أن تصبح هذه الأسطورة أداة لتفسير الحاضر وتأمين المستقبل، فهي تقوم بوظيفة التقنيين للرغبات والأعمال.. وذكر الباحث نماذج من الخرافات التي كانت سائدة في أوروبا مثل:" أسطورة النشأة " حيث يوجد في كل قرية من قرى "تروبرباندة" اعتقاد خرافي يزعم بوجود فجوة عميقة في الأرض التي يعيشون عليها ظهرت منها جدتهم الأولى وأخيها، وفي هذا العالم السفلي، كان الناس يعيشون قبل صعودهم إلى الأرض كما هم يعيشون الآن..

       وفي الغرب أسطورة " الروح الشريرة " حيث كانوا يقدمون للجثة هدايا ثمينة لاعتقادهم بأنّ هذه الهدايا تريح الروح الشريرة وتجعلها خيّرة.

أنماط الخرافات في الوطن العربي:

       تدور معظم الخرافات في الوطن العربي حول معالجة مريض يتوهم أنه أصابه جان فيلجأ إلى من يخلصه منه، وفيما يلي أشهر الخرافات المتداولة في العالم العربي:

الزار: خرافة ثقافية تستند على أن الجان يزور المريض من آن لآخر، فيلجأ إلى من يعالجه بالتوسط بين المريض والجني الذي أصابه في احتفال تعزف فيه الموسيقى وتدق به الطبول لاسترضاء الأسياد من الجان والأرواح الشريرة، وتقديم الهدايا أو الأموال التي يحضرها المريض لهم.

المشاهدة: وهي قلادة من أحجار مختلفة الألوان توضع في عنق الصبي أو الصبية لتقيه من حسد الحاسدين ومن العقم أو تقي عينيه من الرمد.

التميمة: وهي عبارة عن ورقة يكتب فيها بعض الكلمات بخط غير مقروء، وتطوى على هيئة مثلث، وتحفظ بقطعة قماش، وتعلق على كتف الصبي لتقيه من الشرور.

الربط: وهو توهم العاجز جنسياً بأن هناك من عمل له عملاً يحول بينه وبين القيام بواجباته الجنسية، فيسعى باحثاً عمن يفك رباطه ويخلصه من عجزه.

المعتوقة: وهي المرأة التي يموت أطفالها، حيث تتوهم أن هناك قرينة تقتل صغارها قبل أن يكبروا، فتلجأ إلى إحدى العجائز التي تعتقد بأنها قادرة على أن تعمل لها عملاً من شأنه أن يمنع القرينة من مواصلة قتل أطفالها.

الطيرة: وهي أن يزجر الذي يستعد لأداء عمل طائراً فإن توجه إلى جهة اليمين مضى في عمله وإن توجه شمالاً تشاءم توقف عن ممارسة ذلك العمل الذي كان ينوي القيام به.

الخرزة الزرقاء: وهب خرزة زرقاء كبيرة يقلدون بها الصبي لترد عنه عيون الحساد.

الكف النحاسية: وهي كف صغيرة تعلق على باب الدار لتحميه من اللصوص.

حذوة الفرس: حذاء صغير يعلق في مكان بالسيارة ليحفظها من الحوادث.

وهذه الخرافات لها قداسة عند الجهلة وهم يعتقدون بجدواها رغم أنها لا تستند على أساس علمي سليم.

وانتشار هذه الخرافات وأمثالها في مجتمع ما يعيق تقدمه، ويحول دون نموه وتطوره، فيظل متخلفاً في حين أن الذين يفكرون تفكيراً علمياً يتقدمون ويبدعون.

دور التربية في مواجهة الخرافات:

1- محو الأمية في إطار مخطط مدروس يتم خلاله تدريب المتعلمين على ممارسة البحث العلمي لتعرية المعتقدات البالية ودحضها بالحجة المقنعة.

2- تنقية المناهج الدراسية من كل ما يشوبها وتعديلها باستمرار لتواكب روح العصر، وتتحمل مسؤولياتها في معالجة مظاهر التخلف الثقافي.

3- توزيع الخدمات التعليمية بعدل بين مختلف قطاعات الشعب وفق استراتيجية تربوية واضحة المعالم لتواكب الخدمات التعليمية والنمو السكاني.

4- بناء استرايتجية إعلامية تهدف إلى تحرير الناس من أغلال الخرافات، وإلى نشر الثقافات الأصيلة بين الناس، والتوقف عن المتاجرة بوسائل الإعلام بتقديم ما يروق للجهلة من برامج وزوايا مثل: حديث الأبراج، حظك اليوم، وما شابه ذلك، وتوعية العامة بعدم جدوى زيارة أضرحة المشايخ وتقديم الشموع والهدايا لها للعلاج من المس واللبس، وتقريب الأحبة ومعالجة حالات الهجر.

       فإذا استطاع القائمون على التربية والتعليم تخليص عقول الناس من هذه الخرافات وأمثالها فإن باب الأمل سيفتح بانتظار دخول حاملي ألوية التفكير العلمي.

      

www.tafesh.5u.com

sawahry@hotmail.com